أثقلت الديون كاهل الهيئة الوطنية للإعلام، المعروفة باسم مقرها في وسط القاهرة «ماسبيرو»، لعقود، بعدما اقترضت مبالغ كبيرة من بنك الاستثمار القومي، في وقت كافحت فيه للحفاظ على دورها الرائد كهيئة للإذاعة والتلفزيون وإنتاج المحتوى الحكومي في مشهد إعلامي متغير، بدأ بالانتقال إلى البث الفضائي، ووصل حاليًا إلى الإعلام الرقمي، بحسب رنا ممدوح.

 

ويستعرض تقرير ممدوح الذي نشرته مدى مصر تفاصيل تسوية ديون ماسبيرو المتراكمة، والتي بلغت نحو 139.7 مليار جنيه، مقابل نقل ملكية 44 أصلًا غير مستخدم تابعًا للهيئة، تقدر قيمتها بنحو 18.06 مليار جنيه، إلى بنك الاستثمار القومي، وسط غموض بشأن طبيعة هذه الأصول وآلية تقييمها وكيفية استثمارها مستقبلًا.

 

وتراكمت هذه الديون على مدى عقود، قبل أن تعلن وزارة التخطيط في نهاية أغسطس تسوية الملف عبر مبادلة الديون بالأصول، في خطوة قالت الوزارة إنها تأتي ضمن تحرك أوسع لمعالجة الديون التاريخية للجهات والهيئات الحكومية، في إطار ما وصفته بـ«توجيهات القيادة السياسية».

 

وتشير التسوية إلى تحول كبير في طريقة التعامل مع ديون ماسبيرو، بالتزامن مع تراجع استثمارات الدولة في مؤسساتها الإعلامية التقليدية وتركيزها بصورة متزايدة على الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية.

 

 

تسوية ديون ماسبيرو مقابل الأصول

 

أُعلن عن اتفاق المبادلة في 26 أغسطس، ضمن اتفاق إطاري وقّعه وزيرا المالية والتخطيط، إلى جانب رئيسي بنك الاستثمار القومي والهيئة الوطنية للإعلام.

 

وأعلن مجلس الوزراء في البداية أن إجمالي الديون يبلغ 88.3 مليار جنيه، قبل أن أوضحت وزارة التخطيط في اليوم التالي أن إجمالي الديون التي شملتها التسوية يصل إلى 139.7 مليار جنيه، بينها 51.4 مليار جنيه أُسقطت بالكامل، وتشمل فوائد وغرامات تأخير تراكمت على الهيئة.

 

وتتحمل الدولة سداد 70.24 مليار جنيه المتبقية، بحسب الوزارة، من خلال تخصيص أراضٍ للبنك بهدف زيادة قاعدة أصوله وإتاحة إعادة توظيف تلك الأصول في مشروعات قومية توفر مزيدًا من فرص العمل، وهو ما اعتبرته الوزارة شكلًا آخر من أشكال الدعم الحكومي لتسوية الديون.

 

وقالت وزارة التخطيط إن الملف سيُغلق بالكامل، مع وقف تراكم غرامات التأخير الجديدة اعتبارًا من الأول من يوليو وحتى استكمال إجراءات التسوية.

 

ورغم ذلك، تقول مصادر من داخل ماسبيرو لـ«مدى مصر» إن الاتفاق لا يزال يفتقر إلى الوضوح، ولا سيما فيما يتعلق بكيفية تقييم 44 قطعة أرض مملوكة للهيئة بقيمة 18 مليار جنيه تقريبًا.

 

وترى مذيعة، ومتخصصًا كبيرًا في الهيئة الوطنية للإعلام، ومديرًا في قطاع الأخبار، تحدثوا إلى «مدى مصر» بصورة منفصلة شريطة عدم الكشف عن هوياتهم، أن غياب المعلومات بشأن مساحات الأراضي التي تخلت عنها الهيئة ومواقعها يثير تساؤلات حول عملية التقييم.

 

وبحسب المذيعة، خصصت الدولة مساحات واسعة من الأراضي للهيئة منذ انطلاق التلفزيون الحكومي في ستينيات القرن الماضي، بهدف ضمان تغطية بث قوية في مختلف المناطق، بحيث تضم كل محافظة مركزًا واحدًا على الأقل للإرسال التلفزيوني.

 

ومنذ انطلاق التلفزيون وحتى عام 2000، خصصت عشرات القرارات الجمهورية أراضي مملوكة للدولة في محافظات مختلفة لإقامة محطات إرسال الإذاعة والتلفزيون، ونقلت ملكيتها مجانًا إلى اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري، وهو الكيان الذي كان مقره ماسبيرو قبل أن يتحول لاحقًا إلى الهيئة الوطنية للإعلام.

 

ويقدر مدير في قطاع الأخبار، تحدث إلى «مدى مصر» شريطة عدم الكشف عن هويته، إجمالي الأراضي التي تملكها ماسبيرو بما يتراوح بين 3 آلاف و4.5 ألف فدان، موزعة بين شرم الشيخ، وتحديدًا هضبة أم السيد، ومنطقة العجوزة وشارع فيصل في محافظة الجيزة، والشرقية، والمنيا بالقرب من جبل الطير، والزعفرانة على ساحل البحر الأحمر.

 

كما تملك الهيئة قطعة أرض صغيرة في العاصمة الإدارية الجديدة، لا تتجاوز مساحتها ثلاثة أفدنة، تحيط باستوديو إخباري صغير أُنشئ بتمويل مخصص للعاصمة. وأضافت المذيعة أن الهيئة تملك أيضًا مساحات واسعة في المقطم وأبو زعبل بالقاهرة، فضلًا عن أراضٍ كبيرة في مرسى مطروح وشمال سيناء وجنوبها.

 

وقال مصدر ثالث يعمل في شركة خاصة للاستشارات وتقييم الأصول إن إحدى أهم قطع الأراضي التي شملتها تسوية الديون تقع في الزعفرانة، وكانت مملوكة سابقًا لاتحاد الإذاعة والتلفزيون. وشملت الاتفاقية أيضًا قطع أراضٍ في مناطق أخرى، بينها حلوان في القاهرة والفيوم وصعيد مصر.

 

وتشير معلومات عن التسوية، بحسب المذيعة، إلى نقل ملكية محطات إرسال الإذاعة والتلفزيون إلى البنك، باستثناء محطة الإرسال الإذاعي والتلفزيوني في المقطم، وأرض نادي الإعلام القديم عند مدخل هضبة المقطم العليا، ومبنى الإذاعة في شارع الشريفين بمنطقة البورصة المصرية وسط القاهرة.

 

وبحسب مصدر مطلع في وزارة الإسكان، ستنتقل الاستوديوهات والعاملون الموجودون حاليًا في مبنى ماسبيرو بوسط القاهرة بالكامل إلى مدينة الاستوديوهات العالمية الجديدة المخطط إنشاؤها في منطقة دهشور جنوب هضبة الجيزة. ويُفترض أن تستخدم المنشأة في تصوير الأعمال، إلى جانب تحويلها إلى مقصد سياحي، ضمن مشروع لتطوير محيط منطقة أهرامات الجيزة الأثرية.

 

وأضاف المصدر أن مجلس الوزراء وافق على المشروع في ديسمبر 2025، بعدما كُلّفت شركة الاستشارات الدولية «ويمبرلي أليسون تون آند جو» بإعداد مخططه الرئيسي.

 

وقالت وزارة التخطيط، في بيان حول التفاصيل المالية للتسوية، إن عملية حصر الأصول جرت «بأقصى درجات الدقة»، لضمان عدم المساس بالأصول المدرة للإيرادات التابعة للهيئة، والحفاظ على وضعها المالي واستدامتها.

 

وأشارت الوزارة تحديدًا إلى حصص الهيئة في الشركة المصرية للأقمار الصناعية «نايل سات» ومدينة الإنتاج الإعلامي المصرية، والتي كانت قد رُهنت بالفعل لصالح بنك الاستثمار القومي. ومن المقرر الإفراج بالكامل عن تلك الحصص بعد استكمال نقل الأصول المتفق عليها.

 

وأكدت الحكومة أن تسوية الديون لن تحرم ماسبيرو من الاستفادة من عوائد حصصها في «نايل سات» ومدينة الإنتاج الإعلامي، إلا أن الاتفاق لم يحدد قيمة تلك الحصص أو نسبة ملكية الهيئة في الشركتين.

 

وفي خطوة لاحقة لإتمام التسوية، أعلنت الهيئة الوطنية للإعلام أنها تملك نحو 40% من «نايل سات» و45% من مدينة الإنتاج الإعلامي.

 

 

ماذا تبقى من ماسبيرو بعد تراجع دوره الإعلامي؟

 

قالت الهيئة الوطنية للإعلام في عام 2021 إنها لم تحصل على أي قروض من بنك الاستثمار القومي منذ تأسيسها، موضحة أن الديون المستحقة للبنك لم تنشأ خلال فترة عمل الهيئة ذاتها، وإنما انتقلت إليها عندما حلت محل اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري السابق.

 

وشملت تلك الديون قروضًا من بنك الاستثمار القومي بقيمة 9.6 مليار جنيه تعود إلى عام 1981، وصلت فوائدها بحلول ذلك الوقت إلى 32.9 مليار جنيه، ليبلغ إجمالي الدين المتراكم 42.6 مليار جنيه.

 

 

لكن كيف غرق اتحاد الإذاعة والتلفزيون في الديون؟

 

تقول المذيعة إن «ماسبيرو أُغرق عمدًا في الديون على مدار السنوات»، مشيرة إلى تراجع مصداقية التلفزيون الحكومي بعد ثورة 2011 نتيجة ما وصفته بالسياسات الخاطئة للإدارات المتعاقبة، بالتزامن مع صعود الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية كبديل، ما أفقد ماسبيرو جزءًا من جمهوره، وبالتالي قدرته على تحقيق الإيرادات وتمويل نفسه.

 

وبدأت ديون ماسبيرو في التراكم عندما تولى صفوت الشريف منصب وزير الإعلام عام 1982. وخلال فترتي الشريف وأنس الفقي، شهد التلفزيون توسعًا ضخمًا شمل إطلاق «نايل سات»، وإنشاء مدينة الإنتاج الإعلامي، وتأسيس عشرات القنوات المتخصصة والإقليمية، وتحديث الاستوديوهات وشراء المعدات.

 

ومولت قروض بنك الاستثمار القومي معظم عمليات التوسع والاحتياجات الاستثمارية في وقت كان التلفزيون المصري يتمتع بمكانة مؤسسية كبيرة، وبحسب المذيعة، لم يكن أحد يجرؤ آنذاك على التدخل في شؤونه.

 

وتشير المذيعة إلى أن عدد العاملين في اتحاد الإذاعة والتلفزيون ارتفع خلال تلك الفترة إلى ما بين 40 و45 ألف موظف، ما دفع تكاليف الأجور والمعاشات السنوية إلى تجاوز 2.5 مليار جنيه.

 

وفي الوقت نفسه، تراجعت إيرادات ماسبيرو مع تحرير سوق التلفزيون الفضائي وتوسع القنوات الخاصة منذ بداية الألفية الجديدة. وانتقلت حصة كبيرة من المعلنين والمشاهدين إلى القنوات المنافسة، ما خفض حصة ماسبيرو من سوق الإعلانات.

 

وكان قطاع الإنتاج في ماسبيرو، إلى جانب «صوت القاهرة» ومدينة الإنتاج الإعلامي، يمثل أحد أعمدة الدراما المصرية منذ ستينيات القرن الماضي وحتى عام 2010، عندما كان التلفزيون المصري ينتج أعماله ويمولها ويبثها.

 

لكن الانهيار المالي لاتحاد الإذاعة والتلفزيون وتراكم ديونه لدى بنك الاستثمار القومي قلصا تدريجيًا قدرته على تمويل الإنتاج. ووثق تقرير للجهاز المركزي للمحاسبات صدر عام 2016 تعاقد الاتحاد مع منتجين منفذين ومنتجين مشاركين، وتمويله أعمالًا لصالح أطراف أخرى رغم امتلاكه الاستوديوهات والعاملين، إلى أن توقف قطاع الإنتاج عن إنتاج المسلسلات التلفزيونية بالكامل عام 2016.

 

وسدت شركات الإنتاج الخاصة والقنوات الخليجية الفراغ في البداية. ومنذ عام 2018، تولت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية هذا الدور بعدما استحوذت على أذرع إنتاج رئيسية، بينها «سينرجي» و«ميديا هب»، إلى جانب قنوات مثل ONtv وشبكة DMC والحياة.

 

وأصبحت الشركة المتحدة تهيمن على إنتاج وتوزيع غالبية مسلسلات رمضان، بينما تحول ماسبيرو من منتج إلى جهة بث تشتري إنتاج الشركة المتحدة بموجب اتفاقيات بث.

 

وتوضح المذيعة أن الدور الذي كان يؤديه ماسبيرو في إنتاج الدراما والبرامج انتقل خلال السنوات الأخيرة تحديدًا إلى الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، التي تملكها جهات سيادية من خلال صندوق مصر السيادي وشركة «إيجل كابيتال» للاستثمارات المالية، وهي شركة استثمار مباشر مملوكة لجهاز المخابرات العامة.

 

وتنتج الشركة حاليًا مجموعة واسعة من المحتوى وتبثه عبر قنوات متعددة قادرة على العمل كشركات تابعة للقطاع الخاص.

 

كما تراجع دور ماسبيرو في مجال الأخبار تدريجيًا. ومنذ استحواذ الشركة المتحدة على معظم وسائل الإعلام الخاصة في مصر عام 2019، أصبحت الشركة، عبر «إكسترا نيوز» التي خضعت لسيطرتها، ثم «القاهرة الإخبارية» التي أطلقت في نوفمبر 2022، الذراع الإخباري الفعلي للدولة.

 

وفي المقابل، اقتصر دور قناة «النيل للأخبار»، التابعة لقطاع الأخبار في ماسبيرو، على بث النشرات التقليدية والتغطيات الرسمية، من دون شبكة مراسلين ميدانيين أو إمكانات إنتاج حديثة.

 

وبالتالي، فقد ماسبيرو إيرادات إنتاج الدراما وحقوق البث الحصرية أو الإذاعية لبعض الأحداث الرياضية، خصوصًا مع تركّز الاستثمارات الحكومية في الشركة المتحدة.

 

وقال مدير في قطاع الأخبار بماسبيرو، تحدث أيضًا شريطة عدم الكشف عن هويته، إن الهيئة فقدت إيرادات حقوق البث الرياضي التي كانت تحقق دخلًا كبيرًا، رغم استمرار بث المباريات عبر قنواتها.

 

وأضاف: «لا نعرف كيف حصلت الشركة المتحدة على حقوق البث أو بموجب أي اتفاق».

 

وظل التلفزيون المصري الناقل الحصري لمباريات الدوري المصري الممتاز حتى منتصف عام 2017. وبلغت قيمة آخر عقد رئيسي له مع الاتحاد المصري لكرة القدم، والذي وُقّع في يناير 2014، نحو 70 مليون جنيه للموسم الواحد.

 

وفي موسم 2017/2018، انتقلت الحقوق إلى شركة بريزنتيشن سبورتس، التي تولت حقوق التسويق للدوري وكأس مصر وعدد من الأندية الكبرى، وأسندت البث إلى قنوات ON Sport.

 

وانتقل النظام بأكمله إلى الشركة المتحدة عام 2019 عبر «أون تايم سبورتس»، وخرج ماسبيرو من سوق البث الرياضي بالكامل. ومنذ ذلك الحين، ارتفعت قيمة حقوق البث كثيرًا مقارنة بعقود ماسبيرو السابقة.

 

وأعلنت رابطة الأندية المصرية المحترفة في يونيو 2026 أن عقود حقوق البث والحقوق التجارية ارتفعت بنسبة 300% خلال أربعة مواسم، ليصل إجمالي الإيرادات وحزمة الجوائز الجديدة إلى مليار جنيه، بينما ظلت قيمة عقود الشركة المتحدة نفسها غير معلنة رسميًا.

 

وقال مدير قطاع الأخبار إن الموارد المتبقية للهيئة الوطنية للإعلام أصبحت شبه رمزية، وتتمثل أساسًا في الإعلانات والحملات التوعوية الحكومية الموجهة إلى التلفزيون الحكومي، إلى جانب رسوم ترخيص السيارات التي يُفترض أن تحولها وزارة الداخلية إلى الهيئة.

 

ويدفع مالكو السيارات المزودة بأنظمة إلكترونية أو ترفيهية رسمًا سنويًا قدره 100 جنيه، يخصص 40% منه للهيئة الوطنية للإعلام، وهو الرسم المعروف إعلاميًا باسم «ضريبة الراديو».

 

ومع استمرار عدم سداد أقساط الهيئة، تراكمت الفوائد وغرامات التأخير على أصل الدين على مدار السنوات. وفي تسوية أغسطس، قالت وزارة التخطيط إن نحو 51.4 مليار جنيه من الفوائد وغرامات التأخير أُسقطت، بينها 45 مليار جنيه غرامات تأخير و6.4 مليار جنيه فوائد.

 

وبذلك، شكّلت الفوائد والغرامات نسبة كبيرة من إجمالي الديون، وليس أصل القروض وحده.

 

وإلى جانب عبء الديون، وثقت تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات على مدار السنوات مخالفات مالية وإدارية، وأوجه قصور في إدارة واستخدام بعض أصول اتحاد الإذاعة والتلفزيون، قدرت قيمتها بمليارات الجنيهات قبل نقل بعضها إلى الهيئة الوطنية للإعلام.

 

ويرى كل من المذيعة ومدير قطاع الأخبار أنه بدلًا من معالجة الطريقة التي تراكمت بها ديون ماسبيرو وإصلاح أوضاعه إداريًا من خلال استغلال أصوله، يجري تجريده من تلك الأصول، وهو ما أثار مخاوف لدى العاملين من تراكم ديون جديدة قد تنتهي إلى تصفية دوره بالكامل.

 

ويؤيد المستشار الاقتصادي وخبير أسواق المال وائل النحاس هذا الطرح، إذ وصف تسوية ديون ماسبيرو بأنها تقترب من تصفية المؤسسة، وقال إن استنزاف موارد ماسبيرو وتجريده من أصوله العقارية يجعل استمرار وجوده مسألة وقت.

 

وأوضح النحاس أنه عمل في عام 2015 مع مسؤولين داخل جهات حكومية على خطة لتسوية ديون ماسبيرو عبر استثمار أصوله بطريقة تضمن إيرادات مستدامة وتبقي المؤسسة قادرة على العمل.

 

وتضمنت الخطة استغلال الأراضي ذات المواقع المتميزة التابعة لماسبيرو في إنشاء استوديوهات عالمية يمكن تأجيرها لوكالات الأنباء الدولية، إلى جانب مشروعات إعلامية مدرة للدخل، بما يتيح للمؤسسة تطوير مواردها والاستمرار في العمل.

 

لكن الخطة اصطدمت بقوانين تحظر التصرف في الأراضي المخصصة للمنفعة العامة.

 

ويشير النحاس إلى أن التسوية التي أعلنتها الحكومة مؤخرًا تقوم على تجريد ماسبيرو، إلى جانب مؤسسات حكومية أخرى مدينة لبنك الاستثمار القومي، من أصولها العقارية، بما يسمح للحكومة بمواصلة الاقتراض.

 

وقال إن ماسبيرو يحتاج إلى نحو 20 مليار جنيه سنويًا على الأقل لمواصلة أنشطته، بينما لا يحصل من الموازنة العامة للدولة إلا على ما يكفي لتغطية رواتب العاملين، والتي يقدرها مدير قطاع الأخبار والإعلامي بنحو 220 مليون جنيه شهريًا، مضيفًا أن استمرار المؤسسة في العمل بهذه الموارد المحدودة «مستحيل».

 

وبحسب المذيعة، انخفض عدد العاملين في ماسبيرو من 42 ألف موظف عام 2010 إلى نحو 15 ألفًا حاليًا، بعدما تقاعد ما بين 60 و70% من العاملين.

 

وقالت إن متوسط أعمار العاملين حاليًا يبلغ نحو 50 عامًا، وتتوقع أن تكون الخطوة التالية، بعد تسوية مستحقات نهاية الخدمة والفروق المالية المتأخرة، طرح نظام للمعاش المبكر عند سن 55 عامًا.

 

وترى أن نسبة كبيرة من العاملين قد ترحب بذلك، بعدما حل موظفو الشركة المتحدة محل عدد منهم عندما أشرفت الشركة على العمل في قطاع الأخبار خلال السنوات الأخيرة.

 

وقال كل من المذيعة ومدير قطاع الأخبار إن موظفي ماسبيرو أُبلغوا بأن التسوية ستتبعها خطوات لمعالجة مستحقات نهاية الخدمة والمعاشات المتأخرة.

 

ويُعتقد أن ما بين 6 آلاف و7 آلاف من أصحاب المعاشات لديهم مستحقات غير مسددة تعود إلى عام 2019، بينما جُمّدت رواتب العاملين الحاليين منذ عام 2014، ولم تُصرف الحوافز لنحو 70 شهرًا.

 

 

ربع قرن من الديون وتسوية الأصول

 

قبل عشرة أيام من توقيع اتفاق تسوية ديون ماسبيرو، أعلن مجلس إدارة بنك الاستثمار القومي ما وصفه بـ«إنجاز مالي غير مسبوق»، بعدما سجل البنك صافي أرباح بقيمة 6 مليارات جنيه خلال السنة المالية المنتهية في يونيو 2025، مقابل خسائر بلغت 31.7 مليار جنيه في العام السابق.

 

وعزا البنك هذا التحول إلى «التقدم المحقق في تسوية التشابكات المالية مع الجهات الحكومية»، مشيرًا إلى توقيع اتفاقين إطاريين في يونيو لتسوية ديون تاريخية تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي وتتجاوز قيمتها 196 مليار جنيه.

 

وشملت التسويات شركات تابعة للشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي والهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية.

 

كما ناقش مجلس الإدارة خطوات جارية لاستكمال تسويات إضافية مع جهات حكومية أخرى وتسوية الديون المتبقية. ولم ترافق الاتفاقين السابقين لتسوية ديون ماسبيرو أي تفاصيل حول طبيعتهما أو الأصول التي شملتها التسويات، والتي قالت عدة مصادر في وزارة التخطيط إنها نُقلت إلى بنك الاستثمار القومي ضمن عمليات التسوية.

 

وبنك الاستثمار القومي بنك مملوك للدولة تأسس في عهد الرئيس الراحل أنور السادات عام 1980 ويتبع وزارة التخطيط. ولا يعمل البنك كبنك تجاري؛ فلا يفتح حسابات للأفراد ولا يقدم الخدمات المصرفية التقليدية، وإنما يعمل كمؤسسة تمويل سيادية تتولى تمويل المشروعات الاستثمارية المدرجة ضمن خطة الدولة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

 

واعتمد البنك تاريخيًا على فوائض صناديق التأمينات والمعاشات، ومدخرات البريد، وحصيلة شهادات الاستثمار والسندات الحكومية، إلى جانب موارد أخرى تحددها الدولة.

 

ووجه البنك تلك الأموال إلى تمويل المشروعات التي تديرها الهيئات الاقتصادية والجهات الحكومية، وقدم قروضًا ميسرة للمشروعات القومية، وتابع تنفيذها وإدارة أصولها.

 

وخضع البنك خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما منذ عام 2019، لإعادة هيكلة شملت تسوية ديونه مع الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي ووزارة المالية، إلى جانب تعديلات على القانون المنظم لعمله.

 

ومهدت هذه التغييرات لتحول تدريجي نحو دور أكثر اعتمادًا على الاستثمار، يركز على إدارة المحافظ والأصول والأموال بدلًا من الاقتصار على تقديم القروض.

 

ويصف مصدر في وزارة التخطيط عملية تسوية التشابكات المالية بين الجهات الحكومية بأنها «تصحيح اقتصادي، وإحياء للديون المتعذر تحصيلها، أي الديون التي يُرجح عدم سدادها، وتوفير أصول لصناديق استثمار من المتوقع الإعلان عنها قريبًا».

 

ويؤكد المصدر أن بعض الأراضي التي شملتها التسويات كانت قد خُصصت بالفعل لإدارتها إلى هيئة مستقبل مصر للتنمية المستدامة، مشيرًا إلى أن الحكومة تعمل منذ سنوات على حصر الأصول غير المستغلة التابعة للوزارات والمؤسسات والهيئات الحكومية، بهدف إيجاد سبل لتخصيصها لمشروعات تحقق عوائد.

 

ويرتبط تراكم الدين المحلي، أي إجمالي ما تقترضه الحكومة والهيئات الاقتصادية والجهات العامة بالجنيه المصري من داخل الاقتصاد الوطني، بتوسع الإنفاق الحكومي وتزايد الاحتياجات التمويلية.

 

لكن مسار الدين المحلي تسارع صعودًا منذ عام 2011، بالتزامن مع اتساع عجز الموازنة وتراجع مصادر الإيرادات.

 

وكان الدين المحلي يتراوح بين نحو 800 و900 مليار جنيه قبل عام 2011، قبل أن يتجاوز تريليوني جنيه بحلول 2015، ويقترب من 4 تريليونات جنيه في 2019، ثم يواصل ارتفاعه خلال السنوات التالية وسط تزايد الاحتياجات التمويلية وارتفاع أسعار الفائدة وانخفاض قيمة العملة المحلية.

 

وتجاوز الدين المحلي 12 تريليون جنيه بحلول عام 2025، وهو ما يمثل نسبة مرتفعة من الناتج المحلي الإجمالي.

 

ويتكون الجزء الأكبر من الدين المحلي من أدوات الدين الحكومية، ولا سيما أذون وسندات الخزانة التي يكتتب فيها القطاع المصرفي والمستثمرون المحليون، إلى جانب أرصدة ومديونيات بين الجهات الحكومية، ومن بينها ديون الحكومة المستحقة لبنك الاستثمار القومي.

 

وتتمثل أبرز مشكلات الدين المحلي في ارتفاع تكلفة خدمته، إذ تستهلك مدفوعات الفائدة جانبًا كبيرًا من الإنفاق العام، ما يقلص الموارد المتاحة للقطاعات والخدمات الأخرى.

 

وقد يؤدي تمويل العجز والديون كذلك إلى آثار تضخمية، خصوصًا عندما يرتبط بالتوسع النقدي أو التمويل المباشر من البنك المركزي.

 

ويتمثل تحدٍ آخر في احتمال مزاحمة القطاع الخاص، إذ قد تستحوذ الاحتياجات التمويلية الحكومية المتزايدة على حصة أكبر من السيولة المتاحة في النظام المصرفي، ما يحد من التمويل الموجه إلى الاستثمار الخاص والإنتاجي.

 

ويفسر مصدر في وزارة التخطيط، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، قرار الحكومة الكشف عن بعض تفاصيل تسوية ديون ماسبيرو، بخلاف تسويات ديون أخرى جرت سابقًا، بالإشارة إلى الجدل الذي أثاره تصريح رجل الأعمال حسن هيكل، الذي وصفه المصدر بأنه «المقايضة الصغرى».

 

وأعاد هيكل، عضو اللجنة الاستشارية للاقتصاد الكلي التابعة لمجلس الوزراء، في 29 أغسطس، طرح مقترح سبق أن قدمه في نهاية 2025 للقضاء على الدين العام المحلي عبر مبادلة الديون بالأصول، وهي الفكرة التي عُرفت إعلاميًا باسم «المقايضة الكبرى».

 

ونشر هيكل مقترحه على حسابه الشخصي في منصة «إكس»، وتضمن نقل ملكية قناة السويس إلى البنك المركزي مقابل تسوية قيمة مماثلة من ديون وزارة المالية.

 

وفي شرح جديد لمقترحه على خلفية تسوية ديون ماسبيرو، قال هيكل: «ماسبيرو سوّى ديونه وأصبح قادرًا على الإنفاق على البرامج والمحتوى. وبنك الاستثمار القومي حصل على أصول تعادل قيمة الدين وسيعمل على تطويرها وتشغيلها».

 

وأضاف: «احذف كلمة ماسبيرو واستبدلها بالدولة، واحذف بنك الاستثمار القومي واستبدله بالبنك المركزي، واحذف الأراضي واستبدلها بحصص ملكية في شركات مملوكة للدولة أو حتى قناة السويس، وستكون النتيجة القضاء على الدين العام المحلي».

 

وأثارت هذه الأفكار جدلًا واسعًا ومخاوف من احتمال التخلي عن أصول سيادية للدولة، مثل قناة السويس، وطرحها للمستثمرين، خصوصًا في ظل تزايد اهتمام المستثمرين الخليجيين بالأصول المصرية.

 

وفي المقابل، نفى مجلس الوزراء في 30 أغسطس أن تكون الحكومة قد تبنت مقترح هيكل، مشيرًا إليه باعتباره «شخصية عامة»، وأكد أن الحديث عن نقل ملكية بعض أصول الدولة، ومن بينها قناة السويس، إلى البنك المركزي مقابل تسوية جزء من الدين المحلي للحكومة، يعبر عن وجهة نظر صاحب المقترح ولا يمثل بأي شكل سياسة أو مقترحًا حكوميًا.

 

وقال مجلس الوزراء إن هذا النوع من الآليات سبق أن خضع للدراسة والتقييم من جانب الجهات الحكومية المعنية، ضمن بحث بدائل مختلفة لإدارة الدين العام وخفضه وتقليل تكاليف خدمته، وانتهت تلك الدراسات إلى عدم ملاءمة هذا النهج، وبالتالي لن يدرج ضمن السياسات أو الآليات التي تعتمدها الحكومة لإدارة الدين العام.

 

وكان معارضون ومصادر برلمانية قد قالوا لـ«مدى مصر» في الجولة الأولى من الانتقادات التي طالت مقترح هيكل العام الماضي، إنه «لا يعالج الأسباب الجذرية لنمو الدين العام».

 

وأوضحوا أن المقترح يهدف إلى «خفض الجزء من الدين المسجل في الموازنة العامة فقط، عبر نقل عبئه إلى مكان آخر»، ما يعني أن تطبيق هذه الآلية بصورة مستمرة قد يحول التزامات الدولة المتراكمة إلى شكل آخر من أشكال الدين، من دون معالجة المشكلة الأساسية.

 

وفي الوقت نفسه، تواصل الحكومة البحث عن سبل لخفض ديونها المتزايدة.

 

وأكد مجلس الوزراء أن تسوية الديون التاريخية للهيئة الوطنية للإعلام لدى بنك الاستثمار القومي تمثل حلًا ماليًا ومؤسسيًا لـ«حالة محددة»، استنادًا إلى الظروف القانونية والمالية الخاصة بالجهتين وطبيعة أصولهما والتزاماتهما.

 

وشدد مجلس الوزراء على أن هذه الحالة «لا ينبغي استخدامها أساسًا للمقارنة أو التعامل معها كنموذج عام لإدارة الدين العام للدولة».

 

https://www.madamasr.com/en/2026/09/21/feature/economy/what-is-left-of-maspero-after-national-broadcasters-debt-for-assets-swap/